لست وحدك.. عن الخوف من الوحدة فلنتكلم..

ومنكم من يسعى إلى من يثرثرون؛ خشية الخلو إلى نفسه؛ لأن سكون الوحدة يكشف لأعينهم خفايا ذواتهم العارية فيفرون منها
- جبران خليل جبران

عزيزي الكريم، وصلت مصارحتكم مع بالغ الشكر على كرمكم الذي كاد أن يكون فائضاً لولا أنك سألتني عنها، عن الوحدة أقصد.. أما وقد سألتني عنها..

برأيي هي أعظم ما عرفه الإنسان من الأحوال. لا الحب ولا الكره ولا باقي الحالات والمشاعر التي تتلبس المرء ويتلبسها بإمكانها أن توصله وتشده بأعماقه وروحه مثلما تفعل الوحدة به.

يسميها البعض بالوحدة، والبعض بالعزلة، وآخرون يسمونها الخلوة، يحب المتفذلكون التفريق بين تلك المسميات مؤكدين أنها حالات مختلفة، يضعون لها أوصاف وأسماء مختلفة حتى يخففوا من وطأتها على أنفسهم، ولكنها تكاد تكون نفس الشيء، هي تلك الحال التي وجدنا أنفسنا فيها يوماً، نشعر فيها بالنفور من كل شيء وكل أحد حتى ذواتنا. بعضنا ربما لازال فيها، وبعضنا لم يكتوِ بلهيبها بعد، وبعضنا -مثلي- يخرج ويعود لها منذ عرف نفسه حتى تآلف وتصالح معها.

كل من جربها كاد أن يخرج بوصف خاص به لها، يراها البعض الحال التي "يكون فيها المرء في مكان وكل من يحب في مكان آخر، وعليه أن يُحاول العبور لهم في كل مرة يحدثهم"[1]. ويعتبرها آخرون "العمق الأخير للشرط الإنساني. فالإنسان، هو الكائن الوحيد الذي يشعر بالوحدة والذي يبحث عن الآخر"[2]. ويصفها جبران بأنها "عاصفة ساكنة تحطم أغصاننا الميتة."[3]
يرى شوبنهاور بفوقية أنها "مصير كل الأرواح العظيمة"[4]، ولكن الحقيقة أن أي شخص كان ممكن أن يقع في براثنها إذا ما تكالبت بعض العوامل عليه.

يولد المرء ويكبر ويعيش ضمن دوائر مختلفة تحيط به ويتفاعل معها؛ العائلة، الأصدقاء، العمل، المجتمع،.. ويتناسى أهم عنصر يتفاعل معه ويؤثر عليه وهو ذاته. مصدر سعادة وشقاء المرء هي روحه التي يتجاهل مصارحتها ومواجهتها بشكل مستمر في خضم انشغاله بالتفاعل مع باقي الدوائر في هذه الحياة.
يظل المرء هارباً من روحه حتى يصطدم بموقف/حدث/ظرف في أحد تلك الدوائر، فيجد نفسه فجأة في حال غريبة من الارتباك والذهول والصمت. تختلف العوامل الحاسمة المؤدية لسقوط المرء فيها، يهزه طلاق، أو فقدان حبيب، أو خسارة تجارة، أو انتكاسة أمل.. أحياناً يكون السقوط بتدرج وأحياناً حدث حاسم يهز المرء ويقذف به فيها.
يدخل في حالة من الوحدة، فيجد هناك روحه -التي لطالما أهملها- تنتظره حاملةً ابتسامة لا يمكن تفسيرها إذا كانت ابتسامة شماتة وسخرية بما حصل له، أم هي ابتسامة تعاطف وترحيب بأنه حان الوقت للجلوس معها ومصارحتها.

الإنسان الطبيعي يخاف الوحدة. هناك من يرى أن الإنسان يمكنه أن "يتحمل العطش أسبوعا، والجوع أسبوعين، بإمكانه أن يقضى سنوات دون سقف، لكنه لا يستطيع تحمل الوحدة، إنها أسوأ أنواع التعذيب، وهي أسوأ معاناة"[5]، وهناك من يرى أن الإنسان "مهما كان قويًا، لا يعادل ذبابة اذا كان وحيدًا"[6]، وهناك من يلعنها لأنها تجعلنا نحتاج "ليد تربّت على كتفنا، وحضن يأوى تشردنا، وصوت يعوّض تلعثمنا، وانسان نتوهم أنه سيفتقدنا"[7].
يصفها منيف بأنها تلك الأيام التي "لا يستطيع الإنسان أن يفعل فيها شيئا، لا يستطيع البكاء، لا يستطيع القراءة، وحتى الصراخ يصبح صعبا"[8].

تخيل أن يُقذف بك في غرفة ضيقة، ثم تنزع منك حواسك الخمسة، لا ترى ولا تسمع ولا تشم ولا تلمس شيء، ترغب أن تصرخ وتنطق ولكن الكلمات لا تخرج من فمك. كل ما لديك هي ذاكرتك، وعليك أن تتعامل وتتفاهم معها حتى تستطيع الخروج من تلك الزنزانة الانفرادية، وتعيد تشكيل العالم من جديد.
الإنسان كائن جبان، يظهر كأنه يقدر على مجابهة كل شيء وأي شيء، يخوض البحار ويطير في السماء، يشعل الحروب ويقاتل في المعارك، يخطب على المنابر، ويؤلف الكتب عن الشجاعة، ولكنه يفضل كل شيء وأي شيء على الجلوس مع روحه بإنفراد ثلاثة أيام في غرفة منعزلة.

نخافها لأننا نخاف المواجهة والمكاشفة مع أرواحنا. سكون الوحدة يكشف لأعيننا خفايا ذواتنا العارية فنفر منها، كما يقول جبران[9].
نخاف أن نعترف بأننا أضعف مما نبدو للآخرين، وأننا في أعماقنا لا نقل تشاؤماً عنهم، وأننا لسنا مؤمنين بحق بما نطرح من أجوبة، وأننا أكثر حيرةً مما يظنون، وأننا نعمل ما نعمل غير مقتنعين بأثر عملنا. شعور مرعب من الخوف من المستقبل يتملكنا، كل جميل من حولنا يبدو باهتاً، كل أمل يلوح لنا يبدو ساذجاً، كل فعل بيدنا يبدو ثقيلاً، النهار ضجيج متصل، والليل هدوء قاتل.. صمت رهيب يتملكنا.

الوحدة مؤلمة بحق، وقد قال عنها الطنطاوي "ما آلمني شيء في الحياة ما آلمتني الوحدة. كنت أشعر - كلما انفردت - بفراغ هائل في نفسي، وأحس بأنها غريبة عني ثقيلة علي لا أطيق الانفراد بها، فإذا انفردت بها أحسست أن بيني وبين الحياة صحارى قاحلة وبيداً ما لها من آخر، بل كنت أرى العالم في كثير من الأحيان وحشاً فاغراً فاه لابتلاعي، فأحاول الفرار، ولكن أين المفر من نفسي التي بين جنبي ودنياي التي أعيش فيها؟"[10]

أحياناً تكون الوحدة فترة هدوء وانعزال لطيفة إذا كانت قصيرة ولم ندخلها بسبب ضغوط الحياة ولكن بإرادتنا، ولكن مهما كانت مغرية للبعض في بعض الفترات، فالحقيقة أنه لا يستلذ بطول الوحدة شخص طبيعي. من يجد بهجته في الوحدة فهو وحش بري أو آله كما يقول فرانسيس بيكون[11].

يرى نجيب محفوظ أن الوحدة "في رفقة الكبرياء ليست وحدة"[12]، ولكن هل ذلك صحيح؟ ويحاول جبران التخفيف من وطأتها بقوله أنها "مملة ولكنها أكثر إنصافًا من ضجيج يمتلئ نفاقًا"[13]. ويقول نيشته أن فائدتها تكمن بأنها "لا تزرع شيئا: إنها تجعل الأشياء ناضجة"[14].

يولد المرء وحيداً، لا يشعر أحد بآثار مرضه مثل ذاته، ولا بعمق خوفه في لحظات الخوف مثل ذاته، ولا بعمق فرحه لحظات فرحه مثل ذاته، ولا بعمق ألمه مثله، ولا بعمق حزنه مثله، ولا بسكرات موته لحظة موته مثله. يلاطفنا الآخرون قائلين بأنهم يشعرون بما نشعر به ويشاركوننا تلك المشاعر والحالات، ولكن الحقيقة أن لا أحد يشعر بدقة وعمق ما يشعر به المرء إلا هو، فلماذا نهرب من صداقة أرواحنا معظم الوقت ما دام أنها أصدق من يفهمنا؟

الوحدة إما أن تكسر المرء وروحه، أو تجعله يخرج منها كشخص جديد يرى ذاته ومن حوله والحياة بمنظور جديد. مواجهته لروحه بصدق وشجاعة تجعله يراجع ماضيه، قراراته، علاقاته وصداقاته، مسيرته، فشله ونجاحاته، قناعاته ومبادئه ومرتكزاته. تجعله يتصالح مع نقاط ضعفه وقوته، يحدد بالضبط أين ومتى أخطأ ولماذا، وأين ومتى أفلح ولماذا. ثم يقرر ماذا ينوي أن يفعل بحياته.
ولكن حتى يستفيد المرء من وحدته ويتجاوزها، عليه أن يضع قواعد للعب معها، منها مثلاً:

  • أن يعترف لذاته بدون كِبر أنه في حال من الوحدة، وأنه ليس على ما يرام.
  • أن يؤمن بأنها مسألة وقت وسيخرج منها بدون شك، ولكن ليس عنده مانع من إعطائها وقتها وحقها في المواجهة.

خروج المرء بنجاح من تجربة الوحدة الموحشة، ستجعله برأيي يتآلف معها، بحيث لو وقع فيها مجدداً سيعرف كيف يتعامل معها ثم يخرج منها. وهذا ما حصل معي بحيث استطعت اكتساب خبرة التعامل والتآلف معها بشكل لا يمنعني عن الإقبال على الحياة والتفاعل معها بشكل إيجابي.

يذكر الشاعر الصوفي السنائي أن أحد الملوك جمع الحكماء والشعراء، وطلب منهم ابتكار عبارة ينقشها على خاتمه، بحيث إذا قرأها وهو حزين فرح، وبعد تفكير عادوا له بعبارة "وهذا الوقت سوف يمضي".
غرّد الأديب عابد خزندار رحمه الله قبل وفاته: "اليوم وقد قاربت الثمانين وجدت بعد أن مرت عليّ أحلك الظروف أنّ كل مشكلة لها حل ، فلا تقلق"[15].
فعلى المرء وهو في وحدته أن يزرع داخله يقيناً راسخاً بأن هذه الأيام ستمر أيضاً، وستمضي إذا عرف أن يتعامل معها بصدق وهدوء، وبالطبع مستعيناً بعون الله "ألا بذكر الله تطمئن القلوب".

هذا ما لدي عن الوحدة يا عزيزي، أبعدها الله عنك وعن من تحب، دمت بود..


  1. عزالدين شكري فشير، عناق عند جسر بروكلين  ↩
  2. أوكتافيو باث، متاهة العزلة  ↩
  3. جبران خليل جبران، الرمل والزبد  ↩
  4. آرثر شوبنهاور  ↩
  5. باولو كويلو، إحدى عشرة دقيقة  ↩
  6. عبدالرحمن منيف، شرق المتوسط  ↩
  7. محمد حامد، بورتريه الوحدة  ↩
  8. عبد الرحمن منيف، شرق المتوسط  ↩
  9. جبران خليل جبران، النبي  ↩
  10. علي الطنطاوي، من حديث النفس  ↩
  11. فرانسيس بيكون، كتاب المقالات  ↩
  12. نجيب محفوظ، الفجر الكاذب  ↩
  13. جبران خليل جبران  ↩
  14. فريدريك نيتشه، ديوان نيتشه  ↩
  15. عابد خزندار  ↩