بين بول أوستر و صمويل بيكيت، وعدم تقدير الفرد لقيمة أعماله

يذكر بول أوستر في مقال له عن صداقته مع الأديب والشاعر الأيرلندي صمويل بيكيت حوار ظريف حصل بينهما في أحد المطاعم. كتب بيكيت رواية “ميرسيه وكاميه” بالفرنسية، ثم قرر حذف ربعها عند ترجمتها للإنجليزية لأنه لم يكن واثق بأنها عمل جيد. تفاجئ أوستر وقال له: “لماذا تفعل شيئًا كهذا. إنه كتاب رائع. كان عليك ألا تخرج أي تفصيلة منه”. هز بيكيت رأسه قائلاً: «لا، لا، ليس جيدًا، ليس جيدًا».
بعد ذلك دار بينهما حوار في مواضيع مختلفة، وبعد بعض الوقت وبدون مقدمات، سأله بيكيت فجأةً: “هل حقًا أعجبك الكتاب، ها؟ حقًا تعتقد أنه جيد؟”.

يعلّق أوستر على هذا الموقف في مقاله:

“هذا هو صمويل بيكيت، تذكر هذا. لم يكن حتى يدرك قيمة أعماله. لم يدرك أي كاتب أبدًا هذا. ولا حتى أفضلنا”.

فاز بيكيت بجائزة نوبل للآداب عام 1969، وهو صاحب العديد من الأعمال الأدبية الشهيرة وأبرزها مسرحية “في انتظار غودو” التي يقال أنها أهم عمل مسرحي في القرن العشرين باللغة الإنكليزية. كل الإنجازات لم تمنع بيكيت من التشكيك في قدراته وأعماله لدرجة أن يسأل مرتين شاب متحمس من معجبيه قابله بعد فوزه بنوبل بسنوات:“حقاً تعتقد أنه جيد؟”.

في علم النفس، أثبتت الدراسات متلازمة متكررة عند بعض الناس تم تسميتها “متلازمة الدجَّال” Imposter Syndrome حيث يشعر المصاب بها بالذنب لما يجده من إشادة وشهرة وتكريم. يشعر أنه لا يستحق كل ذلك التقدير، وفي الغالب يحيل أسباب نجاحه لأمور كثير عدا نفسه وجهده. لا يحب هذا النوع من الناس أن توجه له الإشادة المتكررة والثناء والشكر، ويشعر بالإحراج والخجل.
على الجانب الإيجابي، تدفع هذه المتلازمة صاحبها للعمل أكثر، والتحسين أكثر، حتى يتجنّب الشعور بالذنب. تختلف درجة المصابين بهذه المتلازمة من الوضع المقبول الذي يدفعه لأن يكون أفضل، إلى الوضع المتطرّف الذي يجعله يزدري نفسه ويعاقبها.

قال أينشتاين -وهو أحد أعظم العقول البشرية على مر العصور- قُبيل وفاته:

“إن التقدير المبالغ فيه الذي يُنظَر به إلى عملي يجعلني أشعر بمرض شديد، وأشعر بأنني مُجبر على التفكير في نفسي وكأنني محتال لا إراديًّا”

النجاح الحقيقي يدفع الصادق والنزيه في الغالب للمزيد من التواضع مع تشكيك ومراجعة في إنتاجه وجودته سعياً للأفضل، والنجاح المزيف يدفع المزيف نحو الغرور والشعور بجنون العظمة وأن العالم بالفعل يدين له ولوجوده.
النوع الأول سيتذكره الناس ويبقى أثره، أما النوع الثاني فوجوده مسلّي للترفيه عن الناس وضرب الأمثلة السلبية به..

استعرض التعليقات