لا تمضِ إلى الغابة، لا تشرب من البحرِ، لا تبني لك بيتاً، لا تكتب رسالة

كتابي هذه الأيام هو مذكرات الأديب الألماني العظيم غونتر غراس “تقشير البصلة”. يعتبر غونتر غراس من أبرز الأدباء الألمان بعد الحرب العالمية الثانية، له مواقف نبيلة تجاه القضية الفلسطينية سببت له مشاكل وأعداء، وله قصة عشق باليمن وتراث اليمن العريق حيث زار اليمن عدة مرات وكتب وحاضر عنها. حصل غراس في  1999 على جائزة نوبل للآداب عن دوره في إثراء الأدب العالمي وخصوصا في ثلاثيته الشهيرة “ثلاثية داينتسيغ”.

ما زلت في بدايات هذه السيرة الذاتية الرائعة، ولكن لفت انتباهي الطريقة التي تطرّق فيها لجزء مظلم في حياته وهو انضمامه لشبيبة هتلر وهو في سن صغيرة (15 عام)!. هذا السن يكاد يكون ما قبل البلوغ، ومن الظلم توجيه كثير من اللوم على أطفال ومراهقين في هذه السن على اتخاذهم قرارات حساسة كقراره تحت ظل ضخ إعلامي وسياسي ضخم كالذي مارسته النازية. عندما يكون هتلر هو قائد البلاد، ويكون غوبلز وزير إعلامه، ومن حولهم جيوش جرّاره وملايين الجنود والأنصار، كيف يمكن أن ينجو طفل من الدعاية النازية ولا ينضم للجماهير؟

ولكن غونتر لا يخشى من مواجهة ذاته ومكاشفتها وتقييمها وسرد حقيقة شعوره آنذك. يقول عن ما قبل انضمامه لشبيبة هتلر:

“لقد أخافتني تماماً قصص أحد برومبرغ الدامي المرعبة التي كان كلها تغطي الصحيفة اليومية النازية المحلية التي كانت تثبت أن البولنديين قتلة وخونة، وأدركت أن كل فعل ألماني بمثابة جزاء قابل للتبرير.”

وعن إيمانه بهتلر:

“وهكذا كنت أؤمن بالاسم المقدس للفوهرر، أؤمن به بحماسة لا تهتز، ولا يطالها الشك، حتى سقط كل شيء، كما تنبأ نشيدنا «هكذا إلى الأمام سنسير، دائماً إلى الأمام، إلى أن يتداعى كل شيء» - إلى أجزاء”.

عن النظر لصورته آنذاك يقول:

“تلك هي الكيفية التي أرى بها نفسي في مرآتي الخلفية. الصورة التي لا يمكن مسحها. فهي ليست طباشيراً على لوح أسود، إنها دائمة. ورغم ظهور انمحاءات قليلة مع مرور الزمن، لا تزال الأناشيد موجودة أيضاً; «إلى الأمام، إلى الأمام! الأبواق تدوي جعجعة! إلى الأمام! الشباب لا يعرف الخطر!» إن الزعم بأنهم «أغروني» لا يعذر الشباب الذين كانوا ينشدونها وبالتالي لا يعذرني. لا، فنحن ندع أنفسنا نُغرى، أنا أدع نفسي أُغرى.”

وبمزيد من الشجاعة يقول عن البدايات كذلك:

“بما أنني لا أعرف التاريخ ولا يمكنني تذكر المناخ المضطرب للحرب آنذاك أو أعدد بقعها الساخنة من الدائرة القطبية إلى القوقاز وعلى الجبهات الأخرى، فكل ما يمكنني فعله الآن هو حبك الظروف التي ربما تكون قد حفزت قراري النهائي بالتجنيد وغذته. لم تكن هناك نعوت مسكنة متاحة. ما فعلته لا يمكن اعتباره حماقة شبابية. لا ضغط من فوق. ولا شعرت بالحاجة إلى تسكين الإحساس بالذنب تجاه الشك بمعصومين الفوهرر، بحماسي للتطوع.”

ها نحن أمام رجل شجاع. لم يبحث عن أعذار لذاته التي كانت في عمر الخامسة عشر، بل يسجل اعترافات بأن فعله الذي ربما لا يلومه أحد عليه نظراً لعمره الصغير ولضخامة السياق، كان نتيجة قراره ومسؤوليته. لم يقل أنهم أغروه، بل أنه سمح لنفسه أن تُغرى! وهذا برأيي السبيل الصحيح للإعتراف بالأخطاء، أن يحمّل المرء نفسه أولاً نتيجة قراراته في سن معينة بدلاً من البدء بتوجيه اللوم لكل شيء آخر. ثم ينطلق في محاولة فهم لماذا اتخذ تلك الخطوات و دوافعه الحقيقية بشفافية تامة.

بالإضافة لرواياته وأعماله الأدبية الرائعة، كان غونتر غراس يكتب الشعر. ومن بين روائع قصائده التي تمت ترجمتها للعربية وقامت جاهدة وهبي بغنائها قصيدة “لا تمضِ إلى الغابة”:  
لا تــمــضـي إلـى الــغــابــة
فـفـي الـغـابـة .. غــابـــة
و من يـمـضـي إلـى الـغـابــة
بــحــثــاً عـن الأشــجــار
لن يبحث عنه بعدها في الغابة
دع الخوف
الخوف يعبق بخوف
و من يعبق بخوف… يشم
أبطال من يعبقون برائحة أبطال
لا تــشــرب مـن الـبـحــر
فــمــذاق الـبـحـر، يـصـبـو إلـى الـمـزيــد
و مـن يـشـرب مـن الـبـحـر، سـيـكـون ظـمـآنـاً
إلـى الـمـحـيـطـات وحـدهــا
لا تــبـنـي لــكَ بـيــتــاً
و إلاّ صــرتَ بــيــتــاً
و مـن يــقــبــعُ فــي الـبـيـت
يــكــون فـي انــتــظــار الــزائــر الـمـتـأخــّــرِ
لــيــفــتــحَ لـــه
لا تــكــتــبْ رســـالــــــة
ســـتـــؤول الــرســالــــة إلــى الأرشــيـــف
و مــن يــكــتــب رســالــــة
يـــُـــوقـــّــع عــلــى بــقــايـــــاه

استعرض التعليقات